كراكيب .. قصة قصيرة

كراكيب.... قصة قصيرة
 بقلم / عبده عبد الجواد
مضى الزمان وتقلبت أوراقه سريعاً بسنواتٍ كثيرة، وبقي الصندوق.. صندوق ذكرياتي الذي يحتوي على قصاصات أوراقى وقصصى وأشعارى وخطابات الأصدقاء والأحباب  
أوراق كانت يوما ذات قيمة ومعنى، وكل كلمة أو خاطرة سُطِّرت عليها كانت بفكر عميق ونبضات وجدان، ووحي جميل لم يُقَدره وقتها سوى أصدقائي وأحبابي المقربين، واليوم وبعد كل هذا العمر والحرص على بقاء هذه الأوراق داخل صندوقي حتى لا تندثر.. اكتست أوراقى رغم أنفى باللون الأصفر وذبل اخضرارها وبهاءها، ولم يعد يذكرها ولايذكرنى أحد، وصرت وأنا صاحب الكلمات كلما أمسكتها واستعدت الذكريات.. أقرأ.. فأشعر وكأنني غريب عنها وهي صارت غريبة عنى.. فتلك كلمات تصف العيون قد ذهبت، وتلك تصف أحاسيس قد انزوت، وتلك صحيفة عملت بها يوما حيث انتفض الناس يوما لحادثة هرولت سريعا لتغطيتها، واليوم قد نسيت، وهذه خواطر تتحدث عن مواقف مع أصدقاء وقد غمرت صداقتهم هموم الحياة فاختفت.. و. و.!
أتأمل صندوق العمر وقد حرصت على أن يظل معي، وينتقل من بيت أسرتي الى بيتي الجديد، وعندما يراه صغاري ويسألون: ما هذا ياأبى؟! أرانى أتلعثم وأعجز أن أقول شيئاً، وعندما أحاول أن أتكلم:" إنها اوراق قديمة كتبتها كانت يوما تتنفس بأنفاسى وتنبض بنبضى واستطرد في كلماتي و.و. وأنتبه فلا أجد من يسمعني! 
فقد انصرف الصغار ولم يفهمون ومن قبلهم الكبار فى بيتي القديم والجديد واعتبروها "كراكيب".. ذلك اللفظ الذي يطلق على أشياء ليس لها قيمة تساوى المكان الذي تشغله في المنزل!
قَلَّبت أوراقى الصفراء التى يعلوها التراب فوجدتها قد طمست بعض الكلمات فى ثناياها من آثار السنين، أتامل الكلمات المطموسة عبثا أحاول أن أتذكرها لكي أعيد نقلها في أوراق جديدة.. لاأتذكر |.. أمسك هاتفي.. أطلب أصدقائى وأحبابي القدامى لعلهم يذكرون، فاذا الأرقام تغيرت ويرد أناس لا أعرفهم ولايعرفوننى!
يرن فى أذني صوت خطيب الجمعة:" كل مذكورٍ سيُنْسى ".. أتذكر صوت أمى: " كراكيب" صوت زوجتى: " كراكيب" نظرات الصغار البلهاء حيث لايوجد شيء لديهم يساوى شيئا!
تنبهت على صوت ميكروفون مزعج يأتى من الشارع " نشترى الحاجات القديمة.. أى حاجة قديمة للبيع ! "
وجدتنى أحتضن صندوق ذكرياتى وأوراقى وأنا أكاد أتخيله فى الغد بين أحضان المنادى ، وبعد أن غاب صاحب الصندوق وتلاقت رغبات الجميع على التخلص من كل الكراكيب ، وكأننى لم أعش يوما فى الحياة ولم يكن لى وجود .. فقد اختفت من منزلى كل آثارى..ملابسى.. نظارتى الطبية .. حذائى..أوراقى وأقلامى!
قتلنى شعورى القديم " حينما يمر الزمان على الأشياء ، فلا شىء يساوى شيئاً!"
انهمرت دموعى بينما أكاد أرى البائعون يفرحون بجنيهات زهيدة لم يكن من بينها أى قيمة لصندوقى القديم!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التمثال - قصة قصيرة

نصفى الحزين والــ" لا"- قصة قصيرة