نصفى الحزين والــ" لا"- قصة قصيرة

 نصفى الحزين والــ "لا"-قصة قصيرة

بقلم/ عبده عبد الجواد

سقطت الدموع من عيني.. غطت وسادتي المستعرة برأسي.. حين جاءني صوتها دون وجهها.. دون حبها.. لا أريد أن أنام.. ليس لأن النوم لا يداعب جفوني ولكن الفكر داخلي لا يتوقف ويمتد بلا نهاية، وأجدني في الصباح ومثل كل يوم – أنشطر نصفين، فحيناً أسير مغلوباً لنصفي المطيع بـ “نعم" ، وحيناً أقاوم وأرفض بنصفي الحزين بـ "لا"!

·         "يا بني أرجوك ليس لك شأن بما يحدث داخل الجامعة لا تشترك في أي نشاط، أو تنظيم" .. هكذا كان أبى ينصحنى كل يوم، واشتركت بدون علمه–في نشاط الأسر!

امتد خيالى يجوب الآفاق-عن ذلك النشاط- بندوات وأفكار ولقاءات مع علماء وخبراء فى مجالات دراستى، هذا يحدثنى بخبرة تجعلنى أرسم صورة المستقبل، وآخر ينصحنى باكتساب مهارات معينة خلال فترة الجامعة وبعدها لتكتمل صورته فى ذهنى، ولكن عبثاً سخر من حديثى الأصدقاء!

·         "عم تتحدث، ألا تدرى أن التجمعات ممنوعة وفقا لقانون الطوارىء؟!"

 وسار نصفى المغلوب معهم إلى  حيث أقيمت الأنشطة الترفيهية، فقد صارت كل التجمعات-عدا الحفلات والرحلات- سياسية ومغرضة بل ويُطَارَدْ أهلها، ألا لعنة الله على السياسة وقوانينها!

مللت تعليمات الطبيب والطعام، ومللت دورته والكآبة التي يسببها كل طعام أتناوله، فهو لا يُنْهِي دورته بسلام بل لابد أن يُخَّلِف لي بعض الآلام خاصة مع واقع حياة ونفسية لا تتحسن!

أغوص كل يوم بين حفنات مختلفة من الأدوية وكذلك أمي وجدتي.. منزلنا أشبه بمستشفى رائحتها معبأة بالمرض وصوت طبيبنا بالنصائح يكاد صداه لا يغادر بيتنا:

·         "لا تأكل كذا وكذا، وطعامك مسلوق، اهتم بصحتك ولا تفكر كثيراً واهتم بحالتك النفسية"، وكأن العلاج فى الفراغ وعدم الفكر!

أسرعنا بحمل جدتي بالاسعاف حيث أقرب طبيب في مستشفى حكومي مهمل.. دخلت الكشف.. تجولنا جيئةً وذهابا.. فُتح الباب.. خرجت الكلمات المتشحة بالسواد من داخل ملابسه البيضاء: "البقية في حياتكم. ".. ماتت جدتي من الطعام.. دوسنتاريا قديمة تملكت منها فكانت لا تهضم

ولا تخرج ولا تأمُلْ في الغد!

مرت أيام وعاد الحديث المكرر مع أبى بينما تراقبنا أمى بشغف، أتساءل بحيرة:

·         متى تتحرر أفكاري التي أريد تنفيذها وآرائي المكبوتة، وكيف سيكون المستقبل؟

-          المستقبل بيد الله ، احتفظ بأفكارك لنفسك ولا تتحدث مع أحد!

·         ليس كل ما أريد التحدث عنه يعتبر سياسة حتى أخاف!

-          كلامك عن المستقبل سيفسره البعض بعدم رضاك عن الواقع الحاضر، أرجوك يابنى.. رسالتك انهاء شهادتك الجامعية لتنتهي رسالتي معك بسلام.

·         اذن متى سأتكلم بعد هذه الرحلة الطويلة من الصمت، وبعد التخرج من الجامعة؟!

-          بعد التخرج تنهى خدمتك العسكرية مثل أخيك، ثم تبحث عن عمل.

·         وأعمل مثل أخى بعد سنوات من البحث فى غير تخصصى أو أهرب مثلما فعل أصدقاؤه وأسافر للخارج !

أنهى أبى الحديث بنظرة يأس صامتة كالمعتاد .. قلت لا، ولكن -بيني وبين نفسي- ودُرْتُ حيث يدور الجميع ووجدتنى دائما خائفاً أترقب، أتوجس من كل زميل يتحدث معى بعيداً عن التفاهة، حتما سيكون من عيون حرس الجامعة، وبقى شطرى الحزين يقاوم الغرق،يصارع أمواج السطحية المتلاطمة، يبحث عن تفاهة الفكر التى صارت سفينة النجاة!

أتقلب في فراشي.. عبثا أبحث عن غفوة، مللت وسادتي وملتني.. أنهض ثم أنبطح بيأس.

عيونها تلاحقني.. كانت جميلة الكلية.. همت بها عشقا.. حاولت أن أقترب منها.. قال صديقي..

-          تحبها لأنها بعيدة عنك فقط؟!    * ماذا تقصد ؟

-          لماذا تعشق الناس القمر ؟       * لأنه جميل حقاً .

-          لا.. لأنه بعيد فلو سنحت الفرصة لكل الناس للصعود للقمر والهبوط عليه.. لصار مثل الشمس والأرض والنجوم!       

·         أتقصد أنني سأنفر منها حين اقترب بعد أن أعرف حقيقتها...؟؟(صمت بخبث ولم يجب).

اقتربنا واكتشفت الأشواق المكنونة منذ فترة ليست بالقصيرة قالت عيونها،ملامحها، لسانها..

 " أحبك “ صمتت قليلاً ثم قالت: " ولكن أفكاري في الحياة قد لا تعجبك؟"

أسرتنى عذوبة كلمتها الأولى، نسيت الشمس والقمر، نسيت العالم بأسره،وكأننى لم أسمع ما تلاها من كلام!.. سقطت الدموع من عيني.. غطت وسادتي المستعرة برأسي.. حين جاءني صوتها عارياً من وجهها فقد كان من خلال أسلاك التليفون.. عاريا ًمن حبها فقد نسيته وتفرغت للحياة البسيطة أو التافهة- الحياة بلا فلسفة أو كفاح أو أفكار أو انتظار. ووافقت على العريس الجاهز.. كيف حدث؟؟ ولِمَ قالت لا.. لحبي ولم تستطيع اكمال المشوار ولِمَ لا أقول لا -أنا أيضا -وأترك صورتها تنحدر في تيار الذكرى، وطي النسيان.

أتألم.. ترتسم صورة الصباح في عيوني.. بلا تفاؤل.. بلا جديد..

يمر في الشارع مزاد العرى.. مزاد السيقان.. من يستطيع منكم أيها المتفرجون أن يدفع.. يدفع للزواج أو للسعادة الموقوتة.. من يستطيع؟

من يستطيع المغامرة دون أن يسأل أي ساق عار عن ماضيه. من يطمئن للمغامرة والحكايات من هنا وهناك تجعل الحلوق تجف!

ويأتي حديث الصباح كل يوم كحديث الظهر وحديث المساء، حديث عار بلا حياء.. من خلال العيون والسيقان والأرداف وتفاهة الألسن، بينما القلوب الصامتة!

ينشطر نصفي المقتول.. ينبش في الماضي فتجرحه كلمات الحبيبة، لقد نسيت كل شيء. حاصرتني بالتساؤلات قالت: "متى تستطيع ان تلحقني.. غداً أم بعد غد؟ هل تستطيع؟ "

قلت:" ألديك شك.. هل أنتِ قلقة؟؟  قالت: (نعم) قلت: "لقد كنت يوماً دواءً لقلقك -لا داؤه!"  

تضيق بصوتي.. تغلق الخط بعصبية.

ينزوي نصفي الحزين، ويبكي داخل ذاتي، ويرفض أي همسة جديدة.. يضيق شطري الآخر بهذا البكاء.. يضيق من حصار المرض والأدوية.. من الابتسامة المخنوقة، اللحية الكثة، الشعر المجعد ، وأحرف غريبة ينطقها لسانى، أندفع وأتردد.. أفكر في شيطانى وأتروى، اكاد أنفجر.. أستسلم لقبلة شفاه راغبة أو صدر حانٍ يضمني.. عبثا أحاول التوقف وأحاول.. مستسلما أقول نعم.. أدفن رأسي في وسادتي وأحلم أن ألملم شُتات نفسي، أبحث عن الــ" لا"..بين أحرف لسانى وشطر نفسى قبل فوات الأوان..!

قصة ال.."لا " بورسعيد-مصر 1984

عبده عبد الجواد  15 / 2/ 2021

تم النشر على رقيم فى 4/ 3/ 2021

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التمثال - قصة قصيرة

كراكيب .. قصة قصيرة