التمثال - قصة قصيرة

التمثال- قصة قصيرة بقلم/ عبده عبد الجواد

 ينتهي الحديث وبعده ألف حديث بلا جدوى.. لابد ان يظل الحلم حلما، ويظل الواقع واقعا، ولابد ان يكون للدنيا كلها واقعها ويظل لي – وحدي – حلمي!

لقد صنعته يدي، وصنعه عقلي.. بزغت الفكرة، وكانت حلما يستحيل تحقيقه.. فبقي الحلم داخلي، واستعذبت الصمت.. الصمت عن النطق بتفاصيل هذا الحلم.. هذا الطموح.. حتى عندما يقترب مني صاحب الحلم نفسه.. كنت احدثه، ولكن فيما يبعد عن الحلم، ويقترب من الحقيقة.. الحقيقة التي أريدها، واريد ان اعيش فيها ولو مرة واحدة في حياتي.. وينتهي الحديث وبعده ألف حديث بلا جدوى.. لابد ان يظل الحلم حلما، ويظل الواقع واقعا، ولابد ان يكون للدنيا كلها واقعا ويظل لي-وحدي- حلمي..! 

وجاء يوم شعرت بالحقيقة.. او بالقرب من الحقيقة،لقد وجدت نفس الحلم مجسما في عينيها.. واطمأننت.. انني لا احلم.. انني في الواقع.. انظر للسماء ادعوها لرؤيتي.. لرؤيتي وحدي من دون العالم كله.. لا تنظر في الارض كلها الا لي.. فثارت، وثارت العاصفة، وامطرت السماء.. فكان لي بمثابة رفض لطلبي أو ربما بكاءً على حالي.. هرولت فزعاً.. لا أصدق.. حتى السماء تخلت عني.. رفضت أن تراني لحظة في هذا الحال الجديد.. رفضت أن تطمنني أنني لا أحلم في هذه اللحظات، وتأكدت ثانية أن حُلماً يتملكني، وأعيش سرابا..!

أمسكت رسائلي بيدي.. هذه كتبتها لها في أول يوم عرفتها، وهذه، وهذه.. لا أستطيع أن أحصى.. لا أستطيع التذكر.. لا أستطيع أن أرى سوى أنني احلم.. رغم انني اعيش الواقع وتستمر هرولتي في الشوارع.. في الحارات.. في الارض اللافظة لوجودي فوقها.. تحت السماء الثائرة ،وانتابتني الغفوة، وثارت نفسي كأكثر مما تثور السماء.. فقد ذابت الرسائل وضاعت الكلمات.. ضاع اثبات الحب واثبات الذات.. امتلأت نفسي بالدموع.. بكيت على حالي.. على تخبطي بين الحلم والحقيقة.. على احساس جديد اراد ان يطمئنني على قِدُمْ هذا الشعور.. على واقعيته ولم أجد!

لم أجد من يحمسني.. لم أجد أحداً بجانبي.. وثارت في نفسي الأفكار من الماضي والحاضر.. شعرت بالدوار.. سقطْتُ مُغشياً علي.. صدمتني سيارة.. فاضت روحي بين أيدي الاطباء.. بحثوا في شأني.. سألوا عن أهلي.. لم يجدوا أحدا..!

قالوا: لمن اذاً كان يعيش؟ وكيف كان يعيش؟! لاحظوا قسمات وجهي.. لقد فاضت روحي، وامتلأ جسدي بجرحي.. تعجبوا.. هذا المجروح لم يصمت قلبه!

انه مات ولكن قلبه مازال ينبض.. بحثوا مرة اخرى.. أمروا بتشريحي، وكانت المفاجأة.. لقد وجدوا سر حياتي.. لقد عثروا على التمثال.. لقد وجدوا سر ألمي، وعرفوا ما استحال من حلمي.. وبدأوا يفحصون التمثال.. قرأوا كلماتي”: إليكِ يا حُلْمي وقد كُنتِ دواءً لألمي.. هذا الجزء هو البداية.. نظرة صغيرة.. بلا قصد من عينيكِ.. صاغت هذا الجزء الأول من التمثال.. صار هذا الجزء كالإسفنج الممزق.. صاغ من تلقاء نفسه بقية الأجزاء، كل يوم يزداد جزءا حتى اكتمل لكِ في أعماقي، ولم يبق سوى اللمسات الاخيرة.. من يديك.. من قلبك.. من روحك.. لم يبق سوى أن قُرْبِكِ من هذا التمثال ويشعر بأنفاسك.. بنبضك.. بشيء منك ولم يحدث!

ومرت الايام كالسنوات في انتظارك.. كل يوم أسمع كلمة الحلم من فم هذا.. من ثغر ذلك.. الكل يقول انه الحلم.. ذلك الذي أعيش فيه، وظلت الأيام والأوهام.. كُلٌ ينهش جزءا وتلتهب الالام في صدري وأقاوم.. بكل ما امتلك من قوة ولم تلهمني ساعداي بالتصدي.. بالوقوف في وجه الطوفان.. فثار الطوفان وفجر بركان الثورة في الأعماق، وكاد يتحطم التمثال.. وفجأة.. وجدتك ولكن متى؟! بعد الطوفان.. بعد ثورة البركان.. لم يكن هناك شيء منذ البداية في أعماقك.. ولكنني.. سأظل انتظر النهاية.. حتى لو ظللت وحدي، وتجدد حُلْمِي.."

سقط التمثال من أيديهم، وضاعت الحقيقة، وضاع الحُلْم، وضاع.. ضاع كل شيء.. وصَمَت القلب..!

تم النشر على موقع رقيم في 28 /10 /2019

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نصفى الحزين والــ" لا"- قصة قصيرة

كراكيب .. قصة قصيرة