تذكرة سفر-قصة قصيرة
أيقظتني أمي مبكرا .. شعرت بتعثر شديد حين
حاولت فتح عينيي .. هكذا أشعر دائماً حين أكون مجهداً أو أستعد لسفر أو لامتحان ، ولكن
ليلتي الفائتة ليست ليلة السفر ، ومازلت في بداية العام .. اذاً لمِّ السُهد الذي
أشعر به طوال الليل ..هل سأدخل على امتحان صعب .. فما الذي يجعلني أفكر في
الامتحانات من الان ؟!
تقلقني نظرتي الضيقة – أحيانا – للأمور، ويتهمني
أبي وأمي بأنني من جيل مُهمل قليل الخبرة بالحياة .. تلك مناقشة وحوار الأجيال
الذى يدور كل يوم ، فحين أيقظتني أمي..
-
لِمّ توقظيني مبكرا ؟!
·
لكي تحجز تذكرة سفر .
-
ولكنني مسافر في الغد وليس اليوم !
·
والدك يقول أن غداً الجمعة سيكون الازدحام شديدا ولن تجد تذاكر .
-
ليس ضروريا تذكرة السفر !
ألحت أمي في طلبها حتى هممت من سريري وارتديت
ملابسي متعجباً من التفكير بهذا الشكل ..
قد يبدو منطقيا ولكنه يؤرقني .. جيل غريب ذاك
الذي يفكر في اليوم والأمس والغد بآن واحد !
وأجدنى أفكر في غدي الذي يحملنى عبر الأيام
والسنين حين أصير بتلك المرحلة من العمر ..هل سأفكر بنفس الأسلوب .. هل سينتقدني
ابني مستقبلا مثلما أفعل مع أبي اليوم ؟!
إبني .. ها.. ها .. إنها أشبه بنكتة سخيفة تخرج من ثغرى .. ما
هذا الأمل والتفاؤل ؟!
ان مدينتي الصغيرة لا يعمل بها سوى الفتيات بأغلب
الأماكن ، وكثير من اعلانات التوظيف مطلوب موظفات ؟! .. أسأل زميلتي في الكلية
-
ما أهمية العمل بالنسبة لكِ ؟
·
تتحمس وبدهشة : لكي أجهز نفسي ؟!
-
(اسأل نفسي ) وكيف أنا سأجهز نفسي ؟!
يؤرقني جدا كثرة مطالبى من أبي ، والى متى ؟
.. لقد صرت فى الجامعة ، ومازلت أمدد له يدى !
أتذكر كلمة " أجهز نفسي " ..
تذكرني بشيء .. في حينا المتواضع محجبة خلعت الحجاب ، ومعتدلة ارتفع زعيق الالوان
على خديها وشفتيها ، ومن ارتفع الفستان عن ركبتيها ، وأخرى ضاق عليها و..و.. لكي
تناسب طبيعة العمل !
ذهبت للمحطة وجدت صفاً طويلاً من المنتظرين ،
وجدت طابور الحجز ، وحين تعجبت المشهد قال أحد المنتظرين ردا على دهشتى : "
الخميس والجمعة دائما زحام بسبب العطلة الأسبوعية " أومأت برأسى من شعورى
بالجهل ونقص خبرتى ، وبعد انتظار حصلت على تذكرة السفر !
عدت للمنزل .. سمعت تحذيرات كثيرة ، وجديدة حتى
لا تضيع التذكرة .. شعرت بالضيق من التعليمات ، وقطعة الورق التى تثبت ذاتي رغم أنها
بعد ساعات لن تساوي شيئاً !
-
" خذ
بالك البلد في حالة طواريء .. لاتنسى التذكرة ضعها بمحفظتك مع البطاقة "
لم
أفهم معنى هذه الجملة حتى عدت ذات يوم متأخراً .. استوقفنى رجل أمن فأمطرنى بوابل
من الكلمات البذيئة لمجرد تأخرى قليلاً وأنا أبحث في جيبي عن بطاقتي الشخصية ،
فذكرنى بنظرة سخيفة لحرس الجامعة قبل دخولي الكلية بالأمس حين سألنى عن الكارنيه ،
وحين عدت أحكى وِأشكى لأبى شعورى بالضيق.. رد بكل بساطة " هذا عملهم ودورهم ،
وفى النهاية هم يحافظون عليكم ".. تذكرت كلمات أبي " خذ بالك البلد في
حالة طواريء " .. بدأت أفهم المعنى الآن !
مرت ليلة السفر مثل سابقتها.. إستيقظت مبكراً
وكأننى لم أنم ..ذهبت للمحطة .. شيئ ما يؤرقني .. شيء ما بليلتي الفائتة ترسب في
قرارة نفسي ، وخيالات غريبة تزاحم صورة الواقع بعيوني !
وقفت في الطابور انتظاراً لدخول صالة التفتيش
الجمركى .. نادى رجل بصوت جهوري " كل شخص يمسك تذكرة السفر فى يده " ..
لم أهتم " تذكرة السفر تثبت هويتي فقط ولا تثبت شخصيتي " سأل الرجل شخصاً
أمامي عن تذكرته .. قال : " ليست معي .. لم ألحق الحجز " !
قال بشراسة : اذن انتظر هنا ، وجذبه خارج
الصف بعنف .. رفض الانتظار وعاد مرة أخرى يخبره أن لديه موعد هام ولابد أن يسافر !.. لم يسمعه بل أمسك به اثنان
من الشرطة ومن حظه العاثر أنه نسى بطاقته الشخصية فنزلت عليه الصفعات والشتائم ،وتم
القبض عليه .. !
أهتزت مشاعري من بشاعة المشهد، من كون ورقة صغيرة تحفظ كرامة الانسان أو تضيعها ، ومن تأكيده لقلة خبرتي..الا اننى وجدت فكرى يسرح فى برنامج رحلتى وساعاتى القادمة وأفكر فى كل تفاصيلها بعد الوصول ، بينما تحركت يدي تمسح دمعة هوت من عيني ويدي الأخرى تتحسس محفظتي قبل ان يأتى دورى ، أبحث عن تذكرة السفر !
هوامش:
·
بورسعيد- مصر نوفمبر 1985
·
قانون الطوارىء شرع عام 1958 وطبق على فترات متقطعة ثم تواصل منذ عام 1981
·
قرار وجود الحرس الجامعى يرجع لفترة الثلاثينات بهدف حماية منشآت الجامعات،
ثم الغاه الرئيس السادات عام 1971 وأعاده الرئيس مبارك عام 1981 بعد توليه الحكم.
·
تم النشر على موقع رقيم فى 29 /1 /2019

تعليقات
إرسال تعليق