العروسة .. قصة قصيرة


العروسة _ قصة قصيرة
تعانقت أكفنا بعهد جديد ..إحساسٌ قوىٌ يساورنى بأننا سنفرح والحلم الجميل داخلى- وقد بدأ يتلمس طريقه- يملأنى شعوراً
بالحقيقة .. ضَغَطَتْ برفق على أناملى .. رَفَعَتْ وجهى .. هَمَسَت :" لاتذهب بعيدا وتنسنى " .. تأملت عيونها .. حركنى بريقها.. لامستحيل ..هذا الأفق الذى يبدو هناك من خلال زجاج نافذة السيارة ، وينطبق من هناك على الأرض سيظلان هكذا أبد الدهر ، وهكذا أنا وأنت .. عهدٌ وَثَقَتهُ قلوبنا ، وقَدَرٌننتظرأن يبشرنا .. عُدْتُ ببصرى بسرعة إليها .. كانت تنتظرنى..تحركت السيارة بينما كانت أمى تجلس بجوار السائق فى وجوم  .
التقت أعيننا من جديد .. ابتسمت .. ليتك تسمعين نبضى .. بادلتنى الابتسامة .. لابد أنها تشعر بى .. تساءلت :
" هل تثق فى كلام الرجل الذى حدثك عن الشقة " ؟.. "نعم بالطبع "..امتدت يدى تعبث بالجرائد الموضوعة على ساقينا..
" عظيم .. أرأيتِ.. لقد خصصت الجريدة اليوم جزءاً للعروسة " .. انغمست بكل حواسى داخل الكلمات.. الديكور
كيفية تنسيق الأثاث حسب مساحة الشقة .. توزيع الاضاءة ، وضع النجف والأباجورات .. عودة موضة الابليكات الصغيرة فى الأركان .. "رحم الله ابى .. كان دائما يقول: كل شيء فى الدنيا له موسم .. الدنيا مواسم ! " ..
 كنت لاأفهم معنى كلماته فى حينها، وأما الآن وقد تخليت عن بلاهة طفولتى صرت أفهم ، وليتنى مافهمت !
انغمست مرة اخرى وسط الكلمات " الضوء غير المباشر يضفى الهدوء فى المنزل .." أترين هذه الصفحات .. فساتين الزفاف .. مارأيك فى هذا ؟ ..الله جميل .. وهذا .. انه أجمل وأجمل ..الحقيقة الاختيار صعب جدا !
كنت أقلب الصفحات وأرقب بطريقة غير مباشرة ملامح وجهها .. شعرت به وقد رسمت عليه بعض علامات القلق،
 فقد كنت أتحدث وكأننى أحدث نفسى بينما كانت تومىء برأسها فقط .. قلبت الصفحة ..عنوان كبير يتوسط الصفحة
" الحمل وعاداتنا " .. تجولت بعينى سريعا بين السطور .. شعرت بالضيق من العادات البالية .. الآباء ينتظرون الأحفاد ليرونهم قبل الموت وكأنه يدق أبوابهم !! .. بل ان الحمل والانجاب هو المؤشر الحقيقى لاكتمال معالم الرجولة والأنوثة لدى الطرفين ، بل ودليل السعادة ..!
قلبت الصفحة وجدت مقالا عن الشقة وفشل الزواج .. حاولت أن أواريها بسرعة .. لاحَظَتْ .. فرمقتنى بنظرة خاطفة .. "لِمَ قلبت الصفحة بسرعة ولم تقرأ ؟ " قلت : " لاأريد ان أقرأ قصص فشل " .. قالت: الفشل يصنع النجاح ..قلت :
" ويصنع الدمار أيضا " .. قالت: " ولم لانقرأ ونتعرف على الأسباب ؟ " .. قلت : " اننى أعتبر الطرفين هما الأساس .. ثقة كل منهما بالاخر فى اختياره .. وفى حبه " .. توقف المناقشة !
دفعنا الفضول لقراءة المقال حتى آخره والذى أختتم كاتبه بدعوة كل شاب بالتخلص من قيود التقاليد والبقاء بجوار أهله والخروج وبناء مسكنه بنفسه فى مشروع متكامل يشترك فيه كل شاب بتخصصه  ،  وتمر سنوات الضجر والانتظار كسنوات كفاح وبناء وعزيمة .. انها الأفكار الورقية الحالمة ممن لايشعرون كيف يكون ألم الانتظار ! ..
انقضى الطريق .. دعوت السائق لانتظارنا .. حاولت من داخلى الخروج من كهوف اليأس .. سألت عن الرجل .. دخلت الشقة لم تكن مثل الوصف ولم يعجبنى نظامها .. لاحقتنى الأفكار .. تناسيت عدم اقتناعى .. تناقشنا بخصوص المبلغ المطلوب .. كان خرافيا أضعاف إمكانياتى .. انصرفنا !!
تملكنا طريق العودة .. شعرت أننى كنت أحلم أو على هامش الحقيقة .. فلم أراها من قبل مثلما أراها الآن .. أمسكت بالجريدة .. تجولت بعينى بين الموضوعات .. الأثاث .. الديكور .. الانجاب .. الحلول المقترحة على الأوراق !!
طويت الجريدة بعنف .. تذكرت كلمات أمى قبل أن أتقدم لخطبتها : " الموضوع يحتاج امكانيات ..البنت جميلة ولن تنتظرك طويلا والمشكلة ليست فى مجرد الخطوبة .. بل الشقة والأثاث ، هل ستؤجر شقة مفروشة ؟!"
يومها رددت بتحدى : " حتما ستنتظرنى لأنها تحبنى "
قالت :" لاأ ظن أن أهلها سينتظرون ".. قلت: " وماذا يفعل إذاً من يحب ؟"
قالت : " يضحى من أجل حبيبته ويتركها طالما لايمتلك الامكانيات ! "
قلت بمرارة: " ان اصحاب الامكانيات لايتزوجون مايحبون بل مايريدون " !
قالت: " يابنى لاتظلمها معك فأنتم متساوون فى السن لذا فالمشكلة أكبر"
قلت : " حين أحببتها لم أفكر فى السن ، هذه أحاسيس تأتى فجاة ولايمكن أن نحددها بحدود قبل أن تبدأ" .
قالت :" انت حر، والعاقل من يمتلك زمام أمره " !
يومها توقف الكلام على لسانى ، ولم أشعرلحظة أننى حر .. فمرور الأيام يقيدنى .. نظرات الجيران تقيدنى .. آلام وآمال أمى -وهى لاتستطيع مساعدتى بمعاش أبى المتواضع ،ودخلى من وظيفتى كموظف جديد - تقيدنى..انتظار أهلها يقيدنى..حتى نظرات عيون حبيبتى -اذا تَغَيَرَتْ أو تَأَلَمَتْ لحظة - تقيدنى وأظن نفسى السبب !!
 مزقت جريدتى .. نثرتها من النافذة .. تألمت .. شعرت بيديها تعانق يديى .. اطمأننت ..شعرت وكأن قيودى تطير مع الأوراق المتناثرة .. ابتسمت لى .. همست فى أذنى بنفس كلماتها الرقيقة- يوم رويت لها حوارى مع أمى وتركت لها الاختيار -وانسابت كلماتها كنسمات من بين شفتيها : " أحبك وسأنتظرك " .. أوثقنا عهداً جديداً .. التفت لزجاج النافذة .. عَكَسَ الضوء صورة وجهها أمامى .. تأملتها للحظات .. وجدت تاجاً على شعرها .. وجدتها عروسة فى بدلة الزفاف .. التفت إليها .. غمرنى الأمل رغم أن الصورة الأصلية - كانت بلا تاج !
تم نشر القصة على موقع مقال  على الرابط التالى :
http://mqqal.com/author/abdou-abdelgawad/


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التمثال - قصة قصيرة

نصفى الحزين والــ" لا"- قصة قصيرة

كراكيب .. قصة قصيرة