اللا-نقطة - قصة قصيرة

اللانقطة قصة قصيرة

كان إصبع الموظف يُحّركُنى كالأبله بين المكاتب .. " عند الأستاذ ....."
 " اذهب للأستاذ ..." اقول: لو سمحت أريد تأشيرة على هذه الأوراق  ...
 قبل أن أكمل يلاحقنى الإصبع اللعين " عند الأستاذ ..... " !
وجدت نفسى فى النهاية خارج المكاتب جميعا .. أنتظر فى ردهة المصلحة .. يرن بأذنى صوت أبى :" اذهب للأستاذ محمد وقل له أبى يسلم عليك وأعطيه الأوراق وهو هيخّلص كل حاجة " .. أفيق على صوتى الرافض من أعماقى ..لا .. لا !
تسمرت قدماى دون هدف محدد !
فجأة وجدته امامى ، صديق طفولتى.. "سعد .. معقول !" ..أخبارك إيه؟  .. كان شاحب الوجه ويرتدى ملابس غالية ولكنها غير متناسقة .
-         ماذا تعمل الآن ؟
-         ماانت عارف نجار زى زمان .
-         ولِمَ لاأراك منذ فترة طويلة؟
-         الظروف ، الورشة وأحيانا مقاولات خاصة بعد العمل .
-         ربنا يزيدك ولكنك كنت ستسافر للخارج ؟
-         نعم سأسافر قريبا ، وأنت ؟
-         أستخرج جواز سفر هذه الأيام .
-         (بتردد ) ان شاء الله ستجد عملا .
دلفت من باب المنزل .. استقبلونى بنظرة باهتة .. لاحقونى جميعا .. أبى وأمى وأخوتى       " ماذا فعلت ؟" .. لم أجد ماأقوله
قالت أمى : والله يابنى أنا ماعايزاك تسافر !
قال أبى بامتعاض: انت سألت على الاستاذ  محمد كم قلت لك ؟
حركت رأسى رافضا : لا
قال أبى: سأذهب معك غدا لأنهى الاجراءات .
قلت : لا سأنهيها بنفسى !
لا أدرى كيف سأنهيها .. سأقف فى الطوابير .. ساتحمل تعقيدات الروتين مثل غيرى .. سأتحمل سخافة هذا وعنجهية ذاك ، لكننى لن ألجأ لشخص يتوسط لى .. لابد ان أخرج من عباءة أبى وعلاقاته وأصدقائه بحكم سنوات عمله الطويلة بالحكومة .
مرت أيام كسنوات.. طار صديقى النجار للخارج .. ذلك العامل الأمى الذى كان مثار سخرية الجميع يوم أن كنا معا فى المدرسة الابتدائية .. رسب وترك المدرسة، ولكنه نجح!
جلست مع أمى أفرغت شحنات قلقى وتوترى .. طمانتنى .. " انت أحسن منه يابنى بعلمك وبعقلك .. لايمكن ربنا يضيع تعب سنين عمرك اللى فاتت .. هو صنايعى اعتاد على الشقاء انت لا يابنى .. انت لا " .. !
تترامى لأسماعى كلمات أبى وهو يناقش امى بانفعال : " عويل بلاده عويل بلاد الناس "
هو يعنى مايقول أننى بالنسبة له شخصية مخيبة للأمال .. لم أتعود ان أصنع أى شيىء أو أنجح فى أى شيىء .. هو يعنى الحياة عموما ولسان حالى يقول : ومالى والحياة .. فلم أتعلم أى شيىء سوى ماتعلمت فى المدرسة والجامعة وفى كل عام كان أصدقائى يعملون طوال الأجازة الصيفية ، وعندما كنت أطلب أن اعمل كان أبى يرفض بشدة :  " لماذا ؟! هل عجزت أن انفق عليك .. طوال الفترة دى انت تلميذ وبس ..لكن تشتغل عند الناس حد يزعلك ولا يهينك وأنا عايش لا ! "
لاأدرى هل هو  الخوف والحب أم مجرد سيطرة وفرض رأى ؟! فقد مرت سنواتى داخل هذا الاطار .. تلميذ فقط .. أتعلم وأذاكر لأنجح فقط !
حتى انهيت دراستى .. كنت ناجحا كل عام ودون ان أكلفه دروسا خصوصية مثل الكثير من زملائى .. رغم ذلك لايرانى ناجحا باعجاز .. ولايستشعر اجتهادى لأنه يراهم خائبين غير عاديين بينما العادى أن أعتمد على نفسى وأنجح دون مساعدة .. هذا هو العادى بالنسبة له فلا جديد !
كان وقتى فى البيت سقيما .. أستيقظ من النوم متأخرا ، حيث الوقت لاقيمة له ، ولاقيمة لأى عمل داخل بلدى فالفرص قليلة والأجور ضعيفة الا لمن معه كارت توصية حيث مجالات العمل المميزة واما الحظ الأكبر فلأصحاب الحرف وغير المتعلمين ،والذين صرت أشعر أننى مثلهم فلم تعد رأسى تحمل أو تذكر علما مما تعلمت .. أقرأ الجرائد أحيانا ، وأتصفح يائساً – كتب الجامعة-فى احيان أخرى تحسباً لأى اعلان وظائف .. يزورنى أصدقاء الجامعة .. منهم من تم تعيينه لقد عثر على كارت توصية وواسطة ، ومنهم من يشاركنى أحلام المنتظرين ..البائسين .. نبحث عن نقطة انطلاق .. نتبادل الحديث عن زملائنا الذين حصلوا على قروض الشباب وتجربة المشروعات الصغيرة ، وآخرين فى استصلاح الأراضى .. أغلبهم مع الأسف تعثر وحُبِس والآخر هرب الى حال سبيله مُطَارَداً والقليل مازال يحاول ويقاوم المصير المجهول !
لابد من السفر .. اصطحبت أحد أصدقائى ، وذهبنا لانهاء الاجراءات .. كان الزحام شديداً والأفكار المتلاطمة تتصارع فى رأسى .." لابد من كارت " .. "فلان أخذ قرض" .." فلان أخذ أرض " ..ترامى لسمعى صوت أحد السعاة : " أستاذ محمد المدير عايز سيادتك " .. انه الشخص الكبير هنا بعد المدير .. هذا ماأخبرنى أبى أن أذهب اليه ، ولن أذهب !
 وقف صديقى بثبات ينتظر دوره دون قلق من الأيام القادمة بينما تراودنى الأفكار .. لابد ان أسافر، ولكن هل سأجد عمل ؟.. واذا لم أجد هل أستطيع أن أعمل فى أى شيىء لأنفق على نفسى .. هل أستطيع؟.. لم أعمل من قبل فى أى شيىء .. يرن صوت أبى بأذنى " عويل بلاده عويل بلاد الناس " .. لا .. لست عويلاً ولا عالة .. لست فاشلاً ..يُحّفزنى صوت أمى بخيالى : "لا يابنى أنت أحسن منه .. بعلمك وأخلاقك ..ثق فى الله يابنى .. لن يضيع جُهدك هباءً "
عاد الأستاذ محمد .. مر من أمامى .. شعرت بقدميى مكبلتين .. وقفت فى مكانى .. لا.. لن أذهب اليه .. نادى الموظف المختص علىّ .. دقائق .. انتهت الاجراءات ..أمسكت جواز السفر تملأ عينى نظرات الأمل أُبادلها مع صديقى الذى أنهى اجراءاته أيضا .. امتدت أنظارنا للأفق البعيد .. نفكر فى غدنا ونقطة الانطلاق ، نندفع وكأننا نجرى أو ربما نطير هربا من مكاننا وواقعنا حيث اللا-نقطة  !
نشرت بمقال كلاود على الرابط :

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التمثال - قصة قصيرة

نصفى الحزين والــ" لا"- قصة قصيرة

كراكيب .. قصة قصيرة